مجموعة مؤلفين
299
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
خلق ، وأمر تفضلا ورحمة لا وجوبا ، وكلما كان كذلك كأن استقذار المستقذر شرعا كمالا في رتبه ، كما أن استحسان المستحسن كمال في مرتبته ؛ لكون كل منهما قد راعى اللّه الحكيم فيه الحكمة بإبرازه بمقتضى الجود والرحمة ، فإن الإمداد الإلهي العام المذكور في قوله تعالى : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [ الإسراء : 20 ] تربية عامة بمقتضى الجود والرحمة موصلة لكل مربوب إلى كماله اللائق به بمقتضى الحكمة ؛ فلهذا قال اللّه تعالى العزيز الرحيم : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [ السجدة : 7 ] . وقال تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] أي : من حيث إنه مضاف إلى الرحمن ؛ لكون خلقه على طبق الحكمة بمقتضى الجود والرحمة مع تحقق التفاوت إذا أضيف بعضها إلى بعض كما قال تعالى : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ [ المائدة : 100 ] ، وقال تعالى : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ [ الحشر : 20 ] . ومن المعلوم أن ظهور التفاوت عن إضافة بعضها إلى بعض به يقع التميز بين مراتب النقص والكمال الإضافيين ، وما به يتميز المراتب كمال ، فالنقص من كمال الوجود ، فلو لم يوجد النقص في المستعد له لم يتم الكمال لكن الكمال قد تم ، فلابد من النقص النسبي قال : تعالى : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] أي : هدى إلى مراعاته الحكمة فيما خلق بهذه الآية ، فظهر أن الصور الوجودية التي هي تعينات الوجود المفاض المختلفة باختلاف استعدادات الماهيات كمالا ونقصا طهارة ونجاسة كلها مستحسنة حكمة في عين كون بعضها مستقذرة شرعا ، فلم يقع في الوجود إلا عادل الشرع على أنه كامل حسن حكمة مع حكم الشرع على بعضها بأنه ناقص أو قبيح